في فضاء  الذكريات 


كَانَت لَيْلَةٌ مُخِيفَةً من اللَّيَالي شتاء . وَكَانت تَحُولُ رِيحُهَا كَمَا

تَصْرَخُ الشَّيَاطِينُ  َوتَرْقُصُ في الجَوِّ كَانَهَا مَرَدَّة الجَحِيمِ

وقد أَفْلَتَتْ مِن قُيُودِهَا .

وَأَقْبَلَت تَلْدَعُ وُجُوهَ النَّاسِ مِثْلَ حَدِّ المَوَاسِى من شَدَّة البَرْدِ . وَالثَّلْجُ يتَطَابَرُ كَأَنَّهُ قُطْنٌ مَندُوفٌ وَيَتَرَاكَمْ على الأبْوَابِ وَالنَّوَافذِ حَتَّى قد بَلَغَ سَمْكَهُ عَلَى أَعْنَابِ الأبوَاب وَفِي  َأصُولِ الجُدْرَانِ قَرِيبًا مِنَ الذِّرَاعِ خَلَى شَوَارِع وَاقْتَرَفَ السُّبُلُ وَلا يرى فيها سالكاً.

مَرَّ سَلِيم تَحْت ظلّ الظَّلَام فَرِيدًا. بَرَّحَ به أَحْوَالَهُ كَادَت أَرْجُلُهُ أن يستواه على الأَرْضِ. وكان  يَرْجِعُ من المُسْتَشفى. أمُّهُ مريضةٌ مُنْذُ أَيَّامَيْنِ . من ذالك هو يرَاهُ كَأَنَّهُ مَجْنُونٌ لأَن أُمَّهُ شَمْعٌ أوقَدَ في قلبه. في فَضَاءِ الذِّكْرَياتِ هَاجَرَ  قَلْبُهُ إِلَى قَدِيمِ الزَّمَانِ.

ذاك الأيَّامُ يُعَلِّمُنِي مَذَاقَةَ المُرِّ فِي الحَيَاةِ . كَانَ لِي لبس واحد ليلبس إلى المَدْرَسَةِ. عَيْشنَا ضَيِّقٌ. وَكَان  فِي كُلِّ حَرْكَتِي عَلامَة مَشَقَّة الحَيَاةِ وَخُشُونِ الْعَيْشِ حينما أَلْعَبُ مع أصْدِقائي  شَقَّ خلف لبسي شِقًّا كَبِيرًا. تَغْفَف قلبى بالحزن والخوف. كُنتُ مُدْهِشٌ ..... كَيْفَ أتوجه أُمِّي...؟  مُنْدُ شَهْرًا انقَطَعَ رُتْبَةُ أَبِي لأنه صَيَّاد السمك

يدبّر أمُورَنَا حالات الدّهْر بِشِدَّةِ المَطَرِ وَارْتفاع الماء في البحر. مُنع صيد السمك من أسبوعَيْن. كُنَّا فِي الفَقْر. كُلَُ إِناءٌ خَالٍ وَبَطَننُا. إضطرّ أبي أن يَذهَبَ إِلَى البَحْرِ. بين هذا الفَافَةِ مِن أين يَشْتَرِي لُبسٌ جَدِيدٌ ، وَلو لم اجدهُ فَكَيْفَ اَسْتَمِرُّ دِراسَتِي ؟

دُقَّ الجَرَسُ غطى الخوف في قلبي. كَانَتْ أُمّي مُجَرَّبَةً لِيَكْتشِفَ العخَطأ. فَعَرَفَتْ عَن مَشَقَّتِى. يَدُهَا ترْتَفِعُ وَتخْتَفِضُ بغضنِ مِن الغُصُونِ الَّتِي تَتَّخِذُ لدوران الخُبْزِ عَلَى بدَنِي .بَكَيْتُ بُكَاءً شَدِيدًا وَلَعَنْتُ عَيْشِي... أَجَابَ نَحِيبي لِنَوْمٍ كَئِيبٍ. لَمَّا كان الشمْسُ أَن يَحْمَرَّ اشْتَدَّ خَوْفُ اُمِّي لِأَنَّ أَبي لم يَرْجِعُ إِلَى الآن. وَأنْهَضَتْنِي قطر وَانْتَطَرْنَا في بَاحَةِ البَيْت، اشْتَدَ السَّواد الليل بَيْنَمَا نَحْنُ نَجْلِسُ في يَاحَتِنَا فَجَاء عَجُوزٌ مُحدِد الوجهِ. فيه علامة طول العُمر وَ فِي رَأسِهِ يَلْمَعُ شَعْرَةٌ بيضاء كلمعان البرقِ فِي لِمَّةِ السَّوْدَاءِ. وَانْتَزَعَ تَظَارَتُهُ وَنَعَى بِوَجْهِ حُزْنٍ

عن نعي أبانا. جَمَدَت اُمّى أمام تِلْكَ الخَبَر وَضَمَّنِي ضَمَّةَ فِيهِ نَفْسَهَا. جاء بِمَيّتِ أَبِي بَعْدَ يَوْمٍ . قُمْتُ عِنْدَهُ صامِتا كَشَاهِدِ العكآبَةِ. دُمُوعِي حَبَستُها مُتَعَمِّدًا هَرُوبًا من واقع أليم وددت الهروب منه ولكن لم أجد سُبُلاً. مَاتَ... كأنَّهُ لَمْ يَمُتْ...!!

يُخَيّلُ إِلَيْهِ إِنَّهُ يَسْمَعُ صَوتَ اَنفَاسٍ مُتَرَدِّدَة وَيَرَى هُبُوط صَدْوة

وارتِفاعِها.

اَيْنَ صَفْرَة المَوْتِ وَنُحُولِهَا ..؟

أيْنَ آلام النّزاعِ وشدائدها ..؟

أين الخصب التي  خَلّفَت اوجاع فوق جَبِينِها..؟

لقد مات كُلّ شَيءٍ بِمَوْتِهِ...

كَانَتِ السَّمَاء لَا يَزَالُ يَبْكِي...

يبكي السماء بِدَمُوع الغَمَامِ...

وَتَخْفَفُ قُلوبُها بلمعان البرقِ...

تصرخ بهدير الرعد يؤتى الأرضُ بريح خفيف

ما بُكَاءُ السَّمَاءِ وَلَا انين الأَرْضِ لا رحمةً لِلْإِنْسَانِ...

منذ ذالك اليوم وَفَقْتُ دِرَاسَتِى. كَان من أحلام أُمّي ان أدْرسَ كَثِيرًا وَاَعْلُو الى أعلى مرتبة

لكن اصْطَرَرْتَ اَن يُرَبّيَني أُمِّي في ذالك الدَّهْرِ الكَآبَة. كَم من كَثِيرِ الدَّهْرِ قَدْ مَضَى. بَعْدَ ذالك قَدْ اغْتَنم حَيَاتِي لِأُمِّي . وَهِي نُورٌ أَوْقَدَ فِي قَلبي.. الآن صِرْتُ كَالأَعْمَى ضَاعَ عُكَّازُهُ . كَم من دِرَاسَاتٍ عَلَّمَنِي الدَّهر

في هذا الظُّلمة المُوحِشَة يَفْشَعِرُّ قلبه بالخَوْفِ من ذالك الذكريات. يُهَرّبُهُ الذكريات .. وَشَعَرَ لَهُ أنه يَكَاد إِلَيهِ أَمْرًا مَخِيفًا. رَجَعَ إِلَى المُسْتَفى بآلاتِهِ. وَأَرَّقَ في تِلْكَ اللَّيْلِ لكِن مَا أَصْبَحَ ذالك الصَّبَاحُ إلا بسكوت نفس أُمّها. عَجَّلَت اِلَيْهِ الموت . لأن سُكَّانَ السَّمَاءِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أن يَعِيشُ طَوِيلاً في ظهر الأرض...

     ما أعظم فوق بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ...  تَغْرُب الشَّمْسُ وَلا تَلْبَث أن يَطَّلِعَ من مَشْرِقِهَا . وَيَتَوَاكَمُ السحب  فَوْقَهُ فلا يلبث ان يَنْفَرِجَ مِنْهُ حِينمَا بَهُبُّ عَلَيْهِ رِيحًا. وَكذالك  يتَعَارَى الشَّجرةُ عن أوراقها وَتَعُودُ إِلَى جَمَالهَا المُحْضَرَة النضرة حينما يهبّ علينا  نَسِيمُ الرَّبِيعِ